الغزالي

478

إحياء علوم الدين

وفي الخبر إشارة إلى جملة أغراض الدنيا التي يتصوّر أن تتصل بالحج ، فكل ذلك مما يمنع فضيلة الحج ، ويخرجه عن حيز حج الخصوص ، لا سيما إذا كان متجردا بنفس الحج بأن يحج لغيره بأجرة فيطلب الدنيا بعمل الآخرة . وقد كره الورعون وأرباب القلوب ذلك إلا أن يكون قصده المقام بمكة ولم يكن له ما يبلغه فلا بأس أن يأخذ ذلك على هذا القصد لا ليتوصل بالدين إلى الدنيا بل بالدنيا إلى الدين . فعند ذلك ينبغي أن يكون قصده زيارة بيت الله عز وجل ومعاونة أخيه المسلم بإسقاط الفرض عنه . وفي مثله ينزل قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « يدخل الله سبحانه بالحجّة الواحدة ثلاثة الجنّة : الموصى بها ، والمنفّذ لها ، ومن حجّ بها عن أخيه » ولست أقول لا تحل الأجرة أو يحرم ذلك بعد أن أسقط فرض الإسلام عن نفسه ، ولكن الأولى أن لا يفعل ، ولا يتخذ ذلك مكسبه ومتجره ، فان الله عز وجل يعطى الدنيا بالدين ولا يعطى الدين بالدنيا . وفي الخبر [ 2 ] « مثل الَّذي يغز وفي سبيل الله عزّ وجلّ ويأخذ أجرا مثل أمّ موسى عليه السّلام : ترضع ولدها وتأخذ أجرها » فمن كان مثاله في أخذ الأجرة على الحج مثال أم موسى فلا بأس بأخذه ، فإنه يأخذ ليتمكن من الحج والزيارة فيه ، وليس يحج ليأخذ الأجرة بل يأخذ الأجرة ليحج كما كانت تأخذ أم موسى ليتيسر لها الأوضاع بتلبيس حالها عليهم الثاني : أن لا يعاون أعداء الله سبحانه بتسليم المكس ، وهم الصادون عن المسجد الحرام من أمراء مكة والأعراب المترصدين في الطريق ، فان تسليم المال إليهم إعانة على الظلم وتيسير لأسبابه عليهم ، فهو كالإعانة بالنفس ، فليتلطف في حيلة الخلاص ، فإن لم يقدر فقد قال بعض العلماء ولا بأس بما قاله . إن ترك التنفل بالحج والرجوع عن الطريق أفضل من إعانة الظلمة ، فان هذه بدعة أحدثت ، وفي الانقياد لها ما يجعلها سنة مطردة ، وفيه ذل وصغار على المسلمين ببذل جزية ، ولا معنى لقول القائل إن ذلك يؤخذ منى وأنا مضطر ، فإنه لو قعد في البيت أو رجع من الطريق لم يؤخذ منه شيء ، بل ربما يظهر أسباب الترفه فتكثر مطالبته ، فلو كان في زي الفقراء لم يطالب ، فهو الذي ساق نفسه إلى حالة الاضطرار